من المؤاخذات على كثير من طلبة العلم (إن لم يكن الأكثر) من المنتسبين للمنهج السلفي = التأثر الواضح والشديد بسياسات دول وجماعات بعينها على اختلاف مشاربها.
وبناءً على هذا تجد تأويلات أبعد ما تكون عن التحقيق العلمي في النوازل الحياتية السياسية، وقد تكلمت سابقًا حول هذا التأثير الواقع على كثير من طلبة العلم بالأطروحات الخيالية الوهمية لجماعة الإخوان المسلمين. لكن على الجانب الآخر ثمّ تأثير آخر، وهو مما يظهر جليًا في مقال على موقع (فيصل نور) حيث جعل كاتبه من كون الإمام البخاري رحمه الله فارسيًا = شبهة تستحق أن يُرَد عليها!
وهذا ليس إلا لوجود مقدمة متضمنة ومسلم بها عنده -وعند نظائره- من أن الفرس في أحسن الأحوال عرق أدنى مستحقر، وفي أسوأ الأحوال مطعون في ديانتهم، فكيف يكون البخاري إمامًا لأهل السنة وهو فارسي؟! وقد تأثر الكاتب وغيره بموقف سياسي مشيطن للفرس مطلقًا.
وبناءً على هذا، ذهب كاتب المقال إلى أن البخاري رحمه الله كان أعجميًا لكنه ليس من الفرس؛ لأنه كان من بخارى التي تقع حاليًا في اوزباكستان، مع أنه ببحث بسيط سيعلم أن مدينة بخارى إلى يومنا هذا مدينة فارسية وإن وقعت داخل دولة من دول الأتراك، أعني اوزباكستان.
والمقصود هنا: أن هذا التأثير كان لسبب توجهات سياسية بعينها في عداء إيران الحديثة حتى أكل الأخضر واليابس، فتخطى إيران الحديثة وتخطى إيران الشيعية إلى كل ما هو فارسي حديثًا وقديمًا!
ويظهر هذا التأثير السياسي على أطروحات طلبة العلم من المنتسبين للمنهج السلفي أيضًا في تأويلات عجيبة لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الروافض، ومن تلك التأويلات:
أولًا: أن الروافض الذين يتكلم عنهم ابن تيمية ليسوا هم الروافض في العصر الحديث، وهذا قول في غاية العجب، نعم قد نناقش ما إذا كان ابن تيمية قط اطلع على كتب الشيعة الإمامية الحديثية، لكنه لا شك قد نقل بصورة أو بأخرى عقائدهم، وأي شيء قد يكون أهم من رده المباشر على ابن المطهر الحلي الذي لا زال شيعة اليوم يلقبونه بالعلامة الحلّي؟
بناءً على هذا القول، يحاول هؤلاء الخروج من أزمة نصوص ابن تيمية الصريحة في عدم كفر الروافض واعتبارهم من جنس المبتدعة والخوارج، لكنه قول ساقط بلا شك؛ لأن الإمامية الأصولية اليوم على نفس عقيدة ابن المطهر الحلّي إجمالًا، لا شك أن فِرَقًا تظهر من بينهم تخالف بعض المعتقدات، كما تظهر فرق من الأشاعرة، كالأحباش، وكما تظهر فرق من أهل السنة تباين منهج أهل السنة في مسائل، فليس كل أشعري حبشي، فكذلك ليس كل رافضي إخباريًا أو باطنيًا.
ثانيًا: أن نصوص ابن تيمية لا تنزل على روافض اليوم بسبب مشروعهم الاستعماري التوسعي الطائفي! وذلك لمحاولة تأويل نص ابن تيمية القائل: «أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ لَا يُعَاوِنُونَ الْكُفَّارَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلَا يَخْتَارُونَ ظُهُورَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ عَلَى ظُهُورِ بِدْعَةٍ دُونَ ذَلِكَ».
وهذا كأن الرافضة في عصر ابن تيمية لم يكونوا أصحاب تعصب وطائفية ولم يكونوا مستحلين لدماء أهل السنة ولم يكن أطماع توسعية طائفية؟! لا شك أن الروافض -قديمًا وحديثًا- على نفس الصفات المذمومة بالنسبة إلينا، وهي أن فيهم شعبة خارجية لتكفيرهم المسلمين واستحلال دمائهم، ولا شك أنهم يتقربون إلى الله باستحلال دماء المسلمين، فهم من هذه الجهة خوارج، ولهم أطماع في بلاد المسلمين.
والمشكلة الأكبر في مثل هذا التأويل العجيب هو أنه قد يجعل مناط الولاء والبراء أسباب سياسية محضة لا علاقة لها بالدين، وهي أنه لا يوالى رافضي يحارب اليهود لأن الرافضي له توجهات توسعية طائفية!! هذا يُظهر كيف أن هذا تأثر واضح بالسياسة في مباحث علمية محضة.
ولا شك أن مثل هذا التوجه الطاعن في كل إيراني وفارسي خاطئ، لأسباب منها:
أولًا: أن احتقار الفرس وربطهم الدائم بالمجوسية طعن في دين أكثر علماء أهل السنة، فإن أكثر أصحاب كتب الحديث الستة عند أهل الحديث فرس، وكثير من أهل العلم من القرون المفضلة فرس، وكثير من أهل العلم عند أهل الحديث والأشعرية والماتريدية: فرس، بل ومن أهم أهل اللغة العربية والبلاغة: فرس، فالقول السائد الطاعن في الفرس مطلقًا بلا قيد = هو طعن في كل أولئك.
ثانيًا: أن بلاد فارس في أكثر عصور التاريخ كانت بلادًا سنية، في نفس تلك الأوقات التي انتشر فيها التشيع في بلاد أخرى كالجزيرة العربية ومصر وشمال أفريقيا.
ثالثًا: أنه حتى اليوم يوجد ملايين من أهل السنة في إيران نفسها، من الفرس والأكراد والبلوش.
رابعًا: أنه يوجد ملايين من أهل السنة من الفرس من غير الإيرانيين أصلًا، كأفغانستان وطاجيكستان وأجزاء من أوزباكستان، فإن ٧٠٪ من أفغانستان إلى اليوم تتحدث الفارسية الدارية، وطاجيكستان تتكلم لغة فارسية بحروف كيريلية (الروسية).
خامسًا: أنه تقريبًا بين ٣٠ إلى ٥٠٪ من إيران الحديثة ليسوا فرسًا، نعم هم الغالبية فيها، لكن يوجد نسبة كبيرة جدًا من الأذر (أتراك، وهؤلاء منهم علي خامنئي نفسه)، ونسبة كبيرة من البلوش واللر والعرب وقوميات أخرى.
سادسًا: أن الخميني وخامنئي وإن كانوا يستخدمون القومية الفارسية لأسباب سياسة، لكنهم أنفسهم ليسوا من أصول فارسية، وهذا معروف، فإن الخميني عائلته هندية هاجرت إلى إيران، وخامنئي من أصول أذرية، فوالده كان آذريًا ولهذا يتحدث التركية بطلاقية.
سابعًا: أن إسماعيل الصفوي لم يكن فارسيًا أصلًا، بل كان تركيًا، وجده كان من أهل السنة، لكنه فرض التشيع على بلاد فارس بالقوة، والتشيع آنذاك قبل فرضه بالقوة من قبل الصفويين كان منتشرًا بين الأتراك والعرب والفرس على حد سواء، على أنهم كانوا أقلية في الفرس والعرب، وليس في هذا بالنسبة لي طعن في العرب ولا الفرس ولا الترك.
أما التوجه المكفِّر لكل رافضي فهو أيضًا خاطئ، لأسباب منها:
أولًا: أن هذا خلاف تحقيق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه. نجد ابن تيمية يقول: «كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم، كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم، هذا منصوص الأئمة».
ويقول في موضع آخر: «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارا».
ويقول: «فهذه خاصة الرافضة الإمامية التي لم يشركهم فيها أحد لا الزيدية الشيعة، ولا سائر طوائف المسلمين، إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد، المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، القائلين: بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر، وأولئك ملاحدة منافقون.
والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير، فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا، ليسوا زنادقة منافقين، لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم، وأما أولئك فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا أمرهم فقد يكونون مسلمين».
وكذا لما سئل عمن يفضل اليهود والنصارى على الرافضة، أنكر هذا، وقال:
«كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم».
ثانيًا: أن الروافض فرق شتى، حتى أنه قد صُنِّف مصنفات مخصوصة في استقراء فرقهم هم فقط، فلا يمكن إنزال حكم معين على كل فرق الرافضة.
ثالثًا: أن القائل بهذا الحكم يطلق الحكم بلا قيد، فحتى لو قلنا: إن ابن تيمية يكفر الروافض (وهذا قطعًا غير صحيح) فإن قائل هذا الحكم يخالف قواعد ابن تيمية وقواعد أهل السنة في التفريق بين العالم والعامي وبين النوع والمعين إلخ، ويظهر من هذا قول بعضهم بتكفير قيادات إيران لأنهم قيادات ورؤساء، وهذا من العجيب أيضًا؛ لأن مباحث الأسماء والأحكام لا تتعلق بكون هذا أو ذاك من القيادات أو من الأمراء، بل قد تتعلق بكونه عالمًا مقام عليه الحجة أم لا.
وخلاصة ما أعتقده أني لا أكفر أحدًا من الشيعة من غير الباطنية، وهو نفس موقف ابن تيمية، وهو نفس موقف علماء الأزهر، وقتل الشيعة لأهل السنة (في سوريا وغيرها) ليس مناطًا لتكفيرهم، ولأجل ذلك كان موقف الأزهر واضحًا في عدم تكفير الخوارج من الدواعش وغيرهم.
والمسلم قد يجتمع فيه تأييد للشيعة من جهة وبغض لهم من جهة، فمن جهة محاربتهم لليهود ومن جهة أنهم من جملة المسلمين = يؤيدهم ويناصرهم، ومن جهة ما فارقوا به أهل السنة من اعتقادات فاسدة ومن جهة قتلهم لأهل السنة = يبغضهم، فواقع الإنسانية أكثر دايناميكية من ثنائية الملاك والشيطان.
بالطبع أتفهم موقف الإخوة السوريين والعراقيين واللبنانيين من أهل السنة، لما ذاقوه من الشيعة، لكن كلامهم لا يخلو من عواطف لا علاقة بالتحقيق العلمي وإن ظهر في مظهر العلم. أما غيرهم من طلبة العلم من المنتسبين للسلفية فإما بين حدادي تكفيري، وإما خارجي داعشي، وإما طالب علم متأثر بتوجهات سياسية معينة انتشرت كثيرًا في كتب السلفيين المعاصرين حتى ظن من ظن أنه موقف علمي لا سياسي.
وفي النهاية أقول ما نشرته على تليجرام مسبقًا:
لا تنس أن الأطفال الذين استشهدوا اليوم في إيران = مسلمون.
كما أن الأطفال الذين استشهدوا في سوريا على يد حزب الله = مسلمون.
فإن كان الروافض سيئين ويقتلون المسلمين من أهل السنة ويفرحون بذلك، فلا تكن مثلهم بالفرح بقتل عوام المسلمين على يد اليهود.

